688- أمور عسرة الفهم
(الأربعاء 29/ 4/2026م)
مَنهَجانِ لا غِنى لأحدِهما عن الآخَر
(1) مرحبا بكم أيها الأحباء المشاهدين في الحلقة (688) من "برنامج حياتك الروحية" على الهواء مباشرة، من قناة الفادي الفضائية.
(2) دعونا ندخل إلى حضرة الرب بجزء من ترنيمة:
1ـ هل يستطيع الرب بي ، أن يصنع العجائبا
وإن طلبت تكريسي ، هل يستجيب الطلبا [2]
(ق) نعم نعم نعم يقول ربنا ، تقدسوا للعمل
غدا سأعمل بكم في وسطكم ، في وسطكم عجائبي
********
(3) بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين:(صلاة)
(4) أحبائي المشاهدين اليوم أواصل سلسلة وتوضيح الأمور صعبة الفهم.
وذكرت سابقا:
- ما قاله بطرس الرسول في (2بط 3: 16): "كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضا بحسب الحكمة المعطاة له، كما في الرسائل كلها أيضا متكلما فيها عن هذه الأمور التي فيها أشياءعسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضا لهلاك أنفسهم"
- والواقع أن كثيرٌ من أبنائنا في الكنيسة يواجهون أسئلةً صعبة في إيمانهم، أسئلةً تتعلّق بأعماق العقيدة، فلا يجدون مَن يُجيب إجابةً أمينة: لا سطحيّةً تَهرُب من المشكلة، ولا مُعقَّدةً تزيد الحيرة.
- ونحن في هذه السلسلة سنتناول أصعب ما في الإيمان المسيحيّ من أمور العقيدة مثل: سرّ الثالوث، التجسّد، الخطيئة الأصليّة، مشكلة الشرّ، الدينونة الأبديّة، وغيرها.
- وتحدثت عن كيف يتكلّم الإنسانُ المحدودُ عن اللهِ اللامحدود؟
(5) ووصلنا إلى قول:
1ـ القدّيس أوغسطينوس "إنْ فهمتَ الله فليس هو بإله»
2ـ وقول القدّيس أثناسيوس الرسوليّ: "نحن لا نعرف الله في ذاته كما هو في أعماقه، بل نعرفه كما أعلَنَ نفسه لنا. والفرقُ بين الاثنين هو الفرقُ بين أن تعرف الشمس بأن تُحدّق فيها مباشرةً (وهذا مستحيل)، وأن تعرفها بنورها الذي يصل إليك (وهذا ممكن)"
# فكّروا معي: لو كان الله في متناول عقلي تماماً، لكان هو إلهاً على مقاسي، أي صنماً من صنع فكري.
() هذا ما وصلنا إليه في الحلقة السابقة،
********
(6) واليوم سوف أتحدث عن:
1ـ مَنهَجانِ لا غِنى لأحدِهما عن الآخَر.
2ـ التمييزُ الجوهريّ بين السرّ واللُّغز.
3- البِدَع التي نشأُت من إساءة فهم هذه المسألة.
4- الإيمانُ المبني على الفَهم.
*********
() أولا: منهجان لا غنى لأحدهما عن الآخر:
الواقع أن الكنيسةُ وَرِثَت منهجَين متكامِلَين للكلام عن الله، كلاهما ضروريّ، ولا يستقيم الإيمان بأحدهما دون الآخر:
[1] منهج الإثبات (Affirmative)
نقول عن الله ما أَعلَنَه لنا عن نفسه: اللهُ محبّة، اللهُ نور، اللهُ صالح، اللهُ قدّوس، اللهُ عادل. هذه ليست افتراضاتنا، بل ما أكّده الكتاب المقدّس. فنحن نُثبت هذه الصفات بيقين، ونبني عليها إيماننا.
[2] منهج النفي (Negative)
ننفي عن الله كلّ ما يليق بالمخلوقات: اللهُ غيرُ محدود، غيرُ مُتغيّر، غيرُ مادّيّ، غيرُ مُركّب، ليس جسماً، ليس له بداية ولا نهاية. هذا النفي ليس جهلاً، بل هو حمايةٌ للألوهة من أن تُختزَل إلى مستوى المخلوقات.
(8) الكنيسة تسير في منتصف الطريق بين منهجَين متطرّفَين:
- من يعتمد على الإثبات وحده، فينتهي إلى تشبيه الله بالإنسان (الأنثروبومورفيزم)، فيتصوّر اللهَ شيخاً ذا لحيةٍ بيضاء، أو يُسقط عليه انفعالاته البشريّة دون تمييز.
- من يعتمد على النفي وحده، فينتهي إلى إلهٍ غامضٍ مجهول، لا يمكن أن يُحَبّ ولا أن يُعبَد، وهو في النهاية إلهٌ قريبٌ من اللا-إله.
3ـ الإيمان الصحيح يجمع بين الاثنين: نُثبت ما أَعلَنَه الله، وننفي ما يُنقِص من عظمته. نقول إنّه «آب»، ونُضيف فوراً أنّه ليس أباً كآبائنا الأرضيّين. نقول إنّه «صخرة»، ونعرف أنّه ليس صخرةً كصخور الأرض.
() التمييز الجوهري بين السر واللغز:
هذا التمييز، أحبّائي، قد يكون أهمّ ما ستسمعونه في هذه السلسلة كلّها. فإنّ كثيراً من المشكلات العَسِرَة في الإيمان تأتي من الخلط بين السرّ واللُّغز. تعالوا نُميّز:
◆ اللُّغز (Puzzle)
سؤالٌ له جوابٌ محدّد لم نصل إليه بَعد. فالوقت والذكاء كفيلان بحلّه. مثال: لغزٌ رياضيّ، قضيّةٌ بوليسيّة، مسألةٌ علميّة لم تُحَلّ. اللُّغز يُحَلّ، وعندما يُحَلّ، يَنتهي.
◆ السرّ (Mystery )
حقيقةٌ أَعلَنَها اللهُ لنا لنحياها، لا لنَفُكَّ شَفرتها. لا يُحَلّ بل يُتَأمَّل. لا يُختَصَر بل يُدخَل فيه. كلّما تعمّقتَ فيه زاد غِناه، ولا يَنتهي أبداً لأنّه مَفتوحٌ على اللامحدود.
الثالوثُ سرّ، وليس لُغزاً.
التجسُّدُ سرّ، وليس لُغزاً.
الخلاصُ سرّ، وليس لُغزاً.
الكنيسةُ لم تَقُل يوماً «فهمنا الثالوثَ»، بل قالت «سَجَدنا للثالوث». وعلامةُ الفهمِ السليم للسرّ ليست القدرة على شرحه شرحاً كاملاً، بل القدرة على الرُّكوع أمامه.
حين يسألك أحدٌ: «كيف يكون الله واحداً وثلاثة؟» فلا تحاول أن تُقدّم له «حلّاً» عقليّاً نهائيّاً، لأنّك إن فعلتَ وقعتَ في الهرطقة حتماً (إمّا التثليث الوثنيّ، أو السابيليّة الموحِّدة). بل قَدِّم له إعلانَ الكتاب المقدّس كما هو، واعترف بحدودك، وادعُهُ إلى التأمّل والعبادة.
(10) في عصرنا، نواجه شكلاً جديداً من الهرطقة: رفضُ كلّ ما لا يُفهَم عقليّاً بصورةٍ تامّة. يقول البعض: «إن كنتُ لا أفهم الثالوث، فلا أؤمن به». لكنّ هذا المنطق لو طُبِّق على حياتنا اليوميّة لأوقَفَ كلّ شيء: فأنا لا أفهم تماماً كيف تَعمَل الكهرباء في خلايا دماغي، ومع ذلك أُفكِّر. ولا أفهم الجاذبيّة في عُمقها، ومع ذلك أَمشي.
الإيمانُ ليس قفزةً في الظلام، بل ثقةٌ في النور الذي أَعلَنَ ذاته.
(11) الإيمان المبني على الفهم:
من هنا، تُعلِن الكنيسةُ مبدأً عظيماً صاغه القدّيس أوغسطينوس وصدّقه بعده القدّيس أنسلم الكانتربريّ:
«أؤمنُ لكي أفهم، ولا أفهم لكي أؤمن» — القدّيس أنسلم، في كتاب Proslogion، الفصل الأوّل
هذا ليس استعلاءً على العقل، بل هو ترتيبٌ صحيح للأمور: الإيمانُ يَفتح العقلَ، والعقلُ يَخدم الإيمان. نحن لا نُلغي العقل، بل نضعه في مكانه الطبيعيّ: خادماً للإيمان، لا قاضياً عليه.
"إنْ لم تُؤمِنوا فلن تَفهَموا" (إشعياء ٧: ٩) [بحسب الترجمة السبعينيّة اليونانيّة]
هذه الترجمة السبعينيّة للآية هي ما اعتمد عليها آباء الكنيسة الأوائل، وهي تُلخّص المنهج كلّه: أوّلاً الإيمان بما أَعلَنَه الله، ثمّ الفَهم يَأتي بالتدريج، ثمّ العبادة التي هي غاية الفَهم كلّه.
آيةٌ ختاميّة
"يا لَعُمقِ غِنى اللهِ وحِكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفَحص، وطُرُقه عن الاستقصاء! لأنّ مَن عَرَف فكرَ الربّ، أو مَن صار له مُشيراً؟ أو مَن سَبَق فأعطاه فيُكافَأ؟ لأنّ منه وبه وله كلّ الأشياء. له المجد إلى الأبد. آمين" (رومية ١١: ٣٣-٣٦)
إلى اللقاء في الحلقة القادمة .......
***********
إختبارات عابرين
(12) تفضل عزيزي المخرج أرنا عمل الله.
- (تعرض على الشاشة بعض الاختبارات)
- المداخلات
(13) والآن إلى الفقرة المحببة لنفسي وهي مداخلاتكم.
(14) ما هو الأمر الذي تكلم به الروح القدس إليك من خلال هذه الحقائق؟
- الختام
(15) شكرا جزيلا لله، وشكرا لكم جميعا أيها الأحباء المشاهدين ولنرفع صلاة في الختام.
(16) البركة الختامية:
محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة الروح القدس تكون مع جميعكم. آمين.

